Featured

100عام من السُلطة والعزلة:جيش السودان في مواجهة المصير!

todayAugust 18, 2025 100 6

Background
share close

في الذكرى المئوية لتأسيس القوات المسلحة السودانية، لا يلوح في الأفق ما يدعو إلى الاحتفاء، بل ما يستوجب وقفة وطنية جادة أمام إرثٍ مثقل بالتدخلات والانقلابات وتضييع الفرص التاريخية.. فالمؤسسة التي نشأت في ظل الاستعمار، ما لبثت أن انزلقت إلى دور سلطوي موازِ، تعيق التحول الديمقراطي، وتجهض كل مشروع لبناء دولة مدنية حديثة!

تأسس الجيش السوداني عام 1925 تحت اسم “قوة دفاع السودان”، وظل لعقود تحت قيادة أجنبية حتى بدأت عملية السودنة رسمياً عام 1954، حين تولّى اللواء أحمد محمد قيادة الجيش، إيذاناً بمرحلة جديدة من الاستقلال المؤسسي..واليوم، بعد مرور 71 عاماً على سودنة المؤسسة، و100 عام على تأسيسها، لا تزال الأسئلة الكبرى معلّقة: هل تحوّل الجيش إلى مؤسسة وطنية بحق؟ أم أنه استمر في إعادة إنتاج السلطة، معزولاً عن تطلعات الشعب، ومتموضعاً فوق الدولة لا داخلها؟

منذ انقلاب عبود في 1958، لم يكن الجيش قوة دفاعية خالصة، بل لاعباً سياسيا نافذاً، يعيد تشكيل السلطة وفق مصالحه، ويُقصي الإرادة الشعبية كلما لاحت في الأفق..وعلى مدار قرن، أضاع الجيش لحظات مفصلية كان يمكن أن تُخرج السودان من دوامة الانقلابات والحروب والانقسامات والموت الذي اعترف بمجانيته المعزول في أخر أيامه .. ومن ثورة أكتوبر إلى انتفاضة أبريل، ومن انتفاضة 1985 إلى ثورة ديسمبر 2018، ظل التدخل العسكري هو القاسم المشترك في كل انتكاسة وطنية، لا بفعل ضعف المدنيين وحدهم، بل بفعل تغوّل المؤسسة العسكرية على المجال العام.

لم تكن ثورة ديسمبر رفضاً لوجود الجيش كمؤسسة وطنية، بل رفضاً لتحوّله إلى سلطة منفصلة تُعيد إنتاج الاستبداد وتفريخ المليشيات تحت شعارات وطنية جوفاء..هتف الشعب “مدنية”، لا إنكاراً لدور الجيش في حماية البلاد والانتقال، بل كان رفضاً قاطعا لتحكّمه في الحكم وتكرار تجربة حكم الجنرالات والسماسرة وتجار الحروب.. ورغم إدراك السودانيين أن تجريب المجرب لا يُفضي إلا إلى الخراب، لا تزال النخب تمد حبال النجاة لكل دكتاتورية محتضرة، لتُعيد تدويرها في واجهة المشهد المكرر برتابة ملها السودانيون..لقد كانت الثورة لحظة فاصلة، أكدت أن الشعب لا يريد جيشاً يحكم، بل جيش يحمي.

لكن الجيش، بدلاً من أن ينحاز إلى لحظة التحول الفاصلة هذه اختار الالتفاف-كما يفعل الجنجويد الأن- وشراء الوقت، تمهيدا للانقضاض على الفترة الانتقالية..لم يكتف بتعطيل المسار المدني، بل ظل يحتضن التمرد في صفوفه لأكثر من عقد، ويغذّي المزيد منه عبر أذرعه الاستخبارية، منتجاً مليشيات كرتونية تُستخدم لاغراق العملية السياسية- منتهجاً طريقة الإنقاذ في إتفاقيات سلام دارفور والحوار الوطني والاطاري-وقد تنقلب عليه ذات يوم، سواء عند نهاية الحرب أو في لحظة انهيار التوازنات الهشة التي صنعها.

وحين اندلعت الحرب، لم يلجأ الجيش إلى استراتيجية وطنية جامعة، بل استعان بمليشيات موازية مجدداً كما فعل في حربه مع حركات غرب السودان، في مشهد يُجسّد أزمة بنيوية عميقة لا مجرد ضرورة بقاء أو خيار عسكري.. تعدد الجيوش، تعقيد الدمج والتسريح، غياب الإرادة السياسية، كلها مؤشرات دامغة على عجز المؤسسة عن فهم طبيعة الأزمة- متعمدة او غافلة-عن الاعتراف بمسؤوليتها المباشرة في إنتاجها وتغذيتها.

وفي خضم الحرب التي هددت حياة السودانيين، وجد الجيش نفسه محاطاً بلحظة التفاف شعبي اضطراري، نشأ من عمق الخوف لا من عمق الثقة، ومن غريزة النجاة لا من قناعة سياسية.. ومع ذلك، سعت قيادة الجيش إلى توظيف هذه اللحظة كغطاء سياسي، بل كمبايعة مفتوحة للبرهان وزمرته، في محاولة لإعادة إنتاج شرعية مفقودة، وتكريس حكم عسكري دائم تحت مظلة القوات المسلحة السودانية.
لكن الدفاع عن المواطنين، مهما بلغت فداحته، يظل واجبا أصيلاً لا يُكافأ بالسلطة، ولا يُبرر توزيع المناصب على المليشيات المتحالفة والفصائل المسلحة.. فالمؤسسة العسكرية، التي فشلت في احتواء التوتر، وساهمت في تفخيخ المشهد عبر شبكاتها الأمنية، وتتحمل مسؤولية اندلاع الحرب، لا فضل لها في إدارتها. وما يُحاول الجيش اليوم تسويقه كإنجاز، هو في جوهره محاولة لتوظيف الكارثة سياسياً، وتثبيت موقعه في السلطة عبر دماء من كان يفترض أن يحميهم.

الأدهى أن رموز النظام السابق لا تزال تسيطر على مفاصل الجيش، رغم نفي البرهان المتكرر، الذي يوظّف خطاباته لتقديم سردية مغايرة تُنكر وجود الإسلاميين داخل المؤسسة، لكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 وما تلاه من ترتيبات، يكشف أن ما جرى لم يكن تصحيح مسار وتجنيب البلاد شر نُذر حرب قادمة، بل إعادة تدوير للنفوذ القديم.
بهذا التكوين، لا يبدو الجيش مؤسسة وطنية حديثة، بل امتداداً سياسياً لنظام مقبور.. فهو لا يخضع للدولة، بل يُديرها.. لا يحمي الديمقراطية، بل يساوم عليها، لا يُمثّل الشعب، بل يحتكره ويقصيه.
ومع ذلك، فإن نافذة الإصلاح لم تُغلق بعد، وإن ضاقت.. فالمؤسسة العسكرية، إن أرادت البقاء جزءًا من مستقبل السودان، لا بد أن تعيد تعريف ذاتها،وتتحرر من إرث الهيمنة التاريخية ومن نفوذ الإسلاميين المتجذّر داخل بنيتها..استمرار هذا النهج لن يؤدي إلى إضعاف الدولة فحسب، بل إلى تآكل شرعية الجيش، وتفكك بنيانه الرمزي.. فالمؤسسات لا تُصان بالقوة، بل تُبنى على الثقة، وتُحترم حين تنحاز للشعب، لا حين تتعالى عليه.

في مئويته، يقف الجيش السوداني أمام مفترق تاريخي: إما أن يتحول إلى مؤسسة وطنية خاضعة للدستور، منضبطة بالقانون، أو أن يواصل مساره الانعزالي حتى يفقد مكانته في وجدان الأمة، ويخرج من معادلة بناء السلام والدولة..
ثورة ديسمبر لم تكن دعوة لهدم الجيش، بل نداءً لإصلاحه..لم ترفض وجوده، بل رفضت تغوّله.. وهي اليوم، أكثر حضوراً من أي وقت مضى، تُعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للمؤسسة العسكرية أن تنحاز إلى مشروع وطني ديمقراطي؟ أم أنها آثرت أن تبقى أصلًا في الأزمة، وعقبة أمام التحول لدولة مدنية ذات سيادة؟

الزمن لا ينتظر، والتاريخ لا يرحم من يتخلف عن لحظته..وعلى الجيش أن يُدرك أن إصلاح نفسه والانحياز إلى الشعب، والابتعاد عن السياسة والاقتصاد، لم يعد أمر مؤجلاً، بل ضرورة تفرضها تعقيدات اللحظة التي تنذر بها استمرار الحرب الدائرة وتنامي المليشيات التي خرجت من عباءته، وقد لا تتردد في ابتلاعه!

#أرضاً_سلاحجيش السودان في مواجهة المصير!

Written by: hala media

Rate it

Previous post

"البصيرة ام حمد" نص جديد لأزهري محمد علي

Featured

قصة مريم وذكريات لا تُنسى

أرضاً سلاح | نص جديد للأستاذ أزهري محمد علي "البصيرة ام حمد" حبلك بالكضب قصرتو وحبل الثورة كفى وفضل ودرب الثورة كمين جولة..   تابعوا المشاهدة 📺 https://youtu.be/X8YEhrZu8uo #صوت_النور #اكسبلور #منصة_هلا_الإعلامية #شعر #شعر_سوداني #أشعار_ديسمبر #شعارات_ثورة_ ديسمبر #أزهري_محمد_علي #شاعر_سوداني #شعر_السودان #هتافات_ديسمبر #الجنجويد_يتحل #مدنية #السودان #السودان_بودكاست

todayAugust 13, 2025 28 4 2


Similar posts

Featured

أوضاع النساء والأطفال في السودان | #بالأرقام

النساء والفتيات في السودان يتحملن العبء الأكبر من النزوح والجوع والعنف، وسط انهيار الخدمات الأساسية.. #بالأرقام | تعرّفوا على التفاصيل عبر انفوغراف هلا.. #أرضاً_سلاح #أوقفوا_الحرب #السودان #كردفان #دارفور #الفاشر #منصة_هلا_الإعلامية #هلا96

todaySeptember 21, 2025 49 1 2

0%